القرطبي

36

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ينزل ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة فيقول من يسألني فأعطيه ؟ من يدعوني فأستجيب له ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ حتى يطلع الفجر ) . فكانوا يستحبون صلاة آخر الليل على أوله . قال علماؤنا : وبهذا الترتيب انتظم الحديث والقرآن ، فإنهما يبصران من مشكاة واحدة . وفي الموطأ وغيره من حديث ابن عباس : بت عند خالتي ميمونة حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ، استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام إلى شن معلق فتوضأ وضوءا خفيفا . وذكر الحديث . السابعة - اختلف العلماء في الناسخ للامر بقيام الليل ، فعن ابن عباس وعائشة أن الناسخ للامر بقيام الليل قوله تعالى : " إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل " [ المزمل : 20 ] إلى آخر السورة . وقيل قوله تعالى : " علم أن لن تحصوه " [ المزمل : 20 ] . وعن ابن عباس أيضا : هو منسوخ بقوله تعالى : " علم أن سيكون منكم مرضى " [ المزمل : 20 ] . وعن عائشة أيضا والشافعي ومقاتل وابن كيسان : هو منسوخ بالصلوات الخمس . وقيل الناسخ لذلك قوله تعالى : " فاقرءوا ما تيسر منه " [ المزمل : 20 ] . قال أبو عبد الرحمن السلمي : لما نزلت : " يا أيها المزمل " قاموا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم ، ثم نزل قوله تعالى : " فاقرءوا ما تيسر منه " [ المزمل : 20 ] . قال بعض العلماء : وهو فرض نسخ به فرض ، كان على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لفضله ، كما قال تعالى : " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " [ الاسراء : 79 ] . قلت : القول الأول يعم جميع هذه الأقوال ، وقد قال تعالى : " وأقيموا الصلاة " [ المزمل : 20 ] فدخل فيها قول من قال إن الناسخ الصلوات الخمس . وقد ذهب الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو على قدر حلب شاة . وعن الحسن أيضا أنه قال في هذه الآية : الحمد لله تطوع بعد الفريضة . وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ، لما جاء في قيامه من الترغيب والفضل في القرآن والسنة . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أجعل للنبي صلى الله عليه وسلم حصيرا يصلي عليه من الليل ، فتسامع الناس به ، فلما رأى جماعتهم كره ذلك ، وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل ، فدخل البيت كالمغضب ، فجعلوا